أشياء عدة ارتبطت بها ذهنيتي عن حائل يأتي في مقدمتها الكريم حاتم وأميرها السابق ابن الرشيد وجبليّ أجا وسلمى وفريقيّ "الطائي" و "الجبلين" وصديقي "عبد الله " الذي تعرفت عليه قبل تسع سنين وأحببته .
استنشقتُ هواءً نقيا مع بداية خطواتي الأولى في مطار حائل الإقليمي وتحديدا مع نزولي من سلم الطائرة حيث كانت المرة الأولى التي استنشق فيها هواء حائل شعرت بارتياح نفسي أدركت حينها أن المدن تهبك من أرواحها إن شاءت وهذا ما فعلته حائل معي فقد ردّت على حبي لها بحب وحنان ونشوة استمرت ثلاثة أيام بلياليهن هي فترة مكوثي بها ، كان كل شي على ما يرام ابتداء من الرحلة التي أقلعت ووصلت في موعدها وإجراءات السفر وطقس حائل آنذاك المعتدل والمصحوب بتساقط زخّات من المطر الخفيف .
في المطار التقيت "المرافق" ومعه اتجهت إلى الفندق الذي سأنزل به ، وفي الطريق إلى الفندق كان السائق يعمل بمثابة المرشد السياحي لي كان يزودني بمعلومات عن الأحياء والشوارع والأسواق والأماكن البارزة والقبائل التي تعيش في حائل ، ولم ينسَ بين الحين والآخر أن يقدم لي دعوة للعشاء ممارسا عادته القبلية الأصيلة ، لم تكن المسافة طويلة بين المطار والفندق ، ربع ساعة فقط كانت كفيلة بوصولي إلى الفندق الذي كان متواضعا لذا استغربت عندما قيل لي بأنه للـ ( VIP ) وبأنه الفندق الأفضل في حائل .
وبين مراجعة سريعة للدورة التي سأقوم بتنفيذها خلال الأيام الثلاثة القادمة وبين مشاهدة التلفاز ثم المشي حول الفندق ثم الخلود للنوم قضيت الليلة الأولى في حائل .
اليوم الأول
كان استعدادي جيدا لتنفيذ الدورة لذا كنت راضيا عن أدائي في نهاية اليوم التدريبي وكنت قد حفظت أسماء جميع المشاركين واكتسبت صداقة أحدهم الذي عرض علي أن نقوم بجولة في أنحاء المدينة ذلك المساء .
لدي قناعة أؤمن بها ألا وهي أنه يلزمني لاكتشاف بلدة ما أن أقوم بزيارة ما يسمى بـ "وسط البلد " أو "البلدة القديمة " أو الـ"Down town" وأن أؤدي الصلاة بأحد مساجدهم وأن أزور مقاهيهم الشعبية وأمر مهم آخر ألا وهو أن أتحاور مع أهالي تلك البلدة .
ومن مساء ذلك اليوم بدأت تنفيذ قناعتي وحانت الفرصة عند احتياجي أحد المصارف لإجراء عملية مصرفية وفي المصرف وقبل أن أنهي تلك الإجراءات أصغيتُ وقتا ليس بالقصير إلى أحد مسئوليه الذي لمس شَغَفي بمعرفة الكثير عن المدينة وبدأ يحدثني عنها وعن معالمها السياحية وعن ما تم اكتشافه من آثار قيّمة ليهود سكنوا بالمناطق المحيطة بها قبل الإسلام حدثني أيضا عن جبلي أجا وسلمى وعن قبري حاتم الطائي وعنترة بن شداد ، كما"فضفض" لي عن مضايقة ما أطلق عليهم المتشددين _ وكأنه يلمس بي ليبرالية لا تمثّل لي شرفاً فأدعية بالقدر الذي كانت تهمة ولكنني لست في حاجة لأنفيها آنذاك _ استمريت ممارساً سياسة الإصغاء فلمّح لي ما تم في نادي حائل الأدبي مؤخرا ومن خلاله أيضاً عرفت وللمرة الأولى أنه لا يوجد في حائل ما يسمى "وسط البلد" أو "البلدة القديمة " ، عندها تبادر إلى ذهني ـ لولا أنني عثرت عليه متأخراً ـ أن حائل مدينة بلا قلب .
بعدها اتجهت لسوق "البرزان" جاء ذلك بعد أكثر من اتصال مع عدد من الأصدقاء في طور البحث عن مكان يكشف لي المدينة من الداخل ؛ والحقيقة عند وصولي إليه لم يشبع فضولي لمعرفة حائل من الداخل كان سوق نسائي شعبي قديم غير مزحوم بل شبه خالي من الناس إلا من قليل من النساء والرجال والباعة الأجانب وسيارة الهيئة ، اكتفيت بالسير على الأقدام والانشغال بالجوال حتى حان وقت صلاة العشاء اتجه الناس جميعهم إلى المسجد ورغم أنني قد جمعت العشاء مع المغرب إلا أنني شعرت بفراغ وحرج وخشيت أن أتعرض لمساءلة من الهيئة فدخلت المسجد واكتفيت بأداء صلاة الوتر ।
بعد العشاء التقيت الصديق الذي قد تواعدنا وانطلقنا في جولة على المدينة اتجهنا بداية لمنطقة تسمى ( العقدة ) وهذه المنطقة تحيط بها الجبال من جميع الجهات عدا منفذ واحد وكان أهلها في الماضي يغلقونه إذا حل المساء لتنام تلك البلدة في أمان ، بعدها قلت لذلك الصديق أن التجوال بالسيارة في الليل لن يضيف لنا معرفة ولن نرى غير إضاءات الشوراع والمباني والسيارات لذا بنا إلى أي مقهى شعبي استنشق فيه رائحة المدينة .
في المقهى تأكد لي أن حائل فقدت هويتها وفقدت رائحتها قبل أن استنشقها ، الأفكار المعلبة والمشاريع الجاهزة التي تستوردها المدن دون أن تضيف إليها من روحها وتخلطها بأصالتها حتما يجعل المدن تفقد هويتها ، كان كل شي تتوقع أن تجده في المقهى ربما تجده ! إلا حائل ليس لها وجود ، سببٌ آخر تبادر إلى ذهني و ألغى وجود حائل في المقاهي أن أهلها لا يحفلون بالمقاهي مثلما يحفلون بالخيام وليست في ثقافتهم كما هو الحال في مدن الحجاز .
اليوم الثاني
ابتداء من مساء ذلك اليوم رأيت حائل الحقيقية لامست روحها عايشت حميميتها شممت رائحتها انتشيت بطبيعتها شعرت بدفء احتوائها ذبت في قلوب أهلها البيضاء ، في ذلك المساء كان "النشامى" وكان الحطب والنار والشوي والطبخ والدلال وكامل "العزبة" والعزبة للذين لا يعرفون هي أشبه بحقيبة كبيرة تحتوي على كامل الأدوات الخاصة بطلعات البر وأهمها الدلال وتتواجد في الكثير من سيارات الحائليين ।
في تلك الليلة قضينا أمسية ممتعة تحدثنا فيها عن الكثير تحدثنا عن جدة و عن حائل والقبائل وعن البر والليل والشعر وعن الدورة التدريبية وعن العمل وتحدثنا عن الرياضة وأيضا عن المرأة .
بدأ النشاط وحاولت أشارك ولكني شعرت بأنه ليس هناك مجالا للهواة أمثالي فاكتفيت بالفرجة والمتعة والانتشاء وأحيانا المشي ، في تلك الليلة اجتمع القمر والليل والطقس والبر والرفاق والحطب والنار والشوي والقهوة التي كان يتم تجهيزها على الجمر أمامي وكنت ارتشفها بتلذذ كانت ليلة مناسبة لكتابة قصيدة رومانسية الحقيقة كانت ليلة أشبه بالخيال .
كنّا ما يقارب العشرة أشخاص متباينين في الأعمار والأفكار بدأ الحديث عن جدة وقلت لهم مازحا عندما تزورون جدة سأعزمكم في "البيك" ثم ذكرت لهم كيف أن "البيك" وفّر وقت وتفكير وجهد ومال الجدوايين من خلال تفضيل الزائرين والضيوف لهذه الوجبة وحبهم لها ، (كان أحد الأصدقاء الذي يزورني باستمرار من الرياض ويرفض كل المطاعم ويصر على "البيك" ؛ مرة وأثناء تناوله لقطعة من البيك قال " ياسلام ! تذوب في فمك " قلت لو سمع صاحب المطاعم عبارتك هذه لاتخذها شعارا لمطعمه ) ثم حكيت لهم مشاهدتي لذلك الحائلي الذي رأيته عند وصوله إلى مطار حائل وبيده كيس بلاستك ممتلئ يحمل شعار "البيك" ؛ ربما كانت هدية مفرحة لعائلته .
من ضمن ما قالوه عن جدة أن الحائلين يطلقون عليها مدينة "الفتوح" فعندما سألتهم عن سبب التسمية أجابوا : (لأن العريس يصطحب عروسته إلى جدة ويقضي معها هناك الأيام الأولى من الزواج )
انتقل الحديث إلى حائل فقلت لهم ومن خلال جولتي في أحد أسواقها لم أشاهد المرأة التي تتعمد إثارة الفتنة في حائل كان حجابهن ولبسهن يعكس احترامهن لأنفسهن ، أيضا كنت انظر من الخارج إلى ملابس النساء المعروضة في واجهات المحلات وقد كانت تتحلى بالحشمة والوقار فلم تكن من الملابس القصيرة أو البنطلونات المثيرة التي تكتظ بها واجهات محلات المدن الكبيرة .أيضا لم أرَ من الشباب من يلبس الشورتات والزنانيب وجينزات طيحني .
في المقابل وجدت حائل وكأنها مدينة رجالية ، الرجال يجدون المتعة من خلال الرحلات وطلعات البر والصحراء والتجوال بينما المرأة الحائلية لا تجد الأماكن التي تقضي بها وقت ممتع .
كان لدي اعتقاد أن أبناء قبيلة شمر وحدهم من يسكن حائل ومرة قال لي أحد أبناء آل تميم أنهم والعنوز يشاركون الشمامرة في حائل ، وفي حائل عرفت أن المدينة خليط من هؤلاء وأيضا مايطلقون عليهم الحضر والصناع وكذلك الرشايدة .
خرجت من تلك الأمسية بانطباع عام بأن الحائليين يعشقون حائل والبر والصحراء ويحبون الليل والسهر والتجوال وميولهم الرياضية نصراوية ، وعرفت ولأول مرة أن تلك المدينة الزراعية تنتج ضمن ماتنتجه فاكهة البرتقال .
كانت أخلاق الحائليين فاضلة وأسلوبهم في التعامل انسيابي وأنفسهم واسعة كانوا يتحلّون بالبساطة ربما يعود ذلك إلى انعكاس البيئة المنبسطة على أخلاقهم هذا مالمسته من المشاركين والموظفين الذين تعاملت معهم في أكثر من جهة وخاصة موظفي المطار.
اختيارهم للأسماء أيضا اختيار سهل لا يعكس الشدة والحدة مثل صخر وحيدر رمّاح ورشّاش وسيف وخلافها من أسماء الوحوش والأسلحة ، أسماءهم جميلة وسهلة مثل "حمّاد" "فلاح" "عواد" "خلف" "عتيق " حتى الأماكن كانت تحمل أسماء جميلة مثل اسم "غزالة" "أجا" "سلمى" وهكذا بقية الأسماء .
بدأ النشاط وحاولت أشارك ولكني شعرت بأنه ليس هناك مجالا للهواة أمثالي فاكتفيت بالفرجة والمتعة والانتشاء وأحيانا المشي ، في تلك الليلة اجتمع القمر والليل والطقس والبر والرفاق والحطب والنار والشوي والقهوة التي كان يتم تجهيزها على الجمر أمامي وكنت ارتشفها بتلذذ كانت ليلة مناسبة لكتابة قصيدة رومانسية الحقيقة كانت ليلة أشبه بالخيال .
كنّا ما يقارب العشرة أشخاص متباينين في الأعمار والأفكار بدأ الحديث عن جدة وقلت لهم مازحا عندما تزورون جدة سأعزمكم في "البيك" ثم ذكرت لهم كيف أن "البيك" وفّر وقت وتفكير وجهد ومال الجدوايين من خلال تفضيل الزائرين والضيوف لهذه الوجبة وحبهم لها ، (كان أحد الأصدقاء الذي يزورني باستمرار من الرياض ويرفض كل المطاعم ويصر على "البيك" ؛ مرة وأثناء تناوله لقطعة من البيك قال " ياسلام ! تذوب في فمك " قلت لو سمع صاحب المطاعم عبارتك هذه لاتخذها شعارا لمطعمه ) ثم حكيت لهم مشاهدتي لذلك الحائلي الذي رأيته عند وصوله إلى مطار حائل وبيده كيس بلاستك ممتلئ يحمل شعار "البيك" ؛ ربما كانت هدية مفرحة لعائلته .
من ضمن ما قالوه عن جدة أن الحائلين يطلقون عليها مدينة "الفتوح" فعندما سألتهم عن سبب التسمية أجابوا : (لأن العريس يصطحب عروسته إلى جدة ويقضي معها هناك الأيام الأولى من الزواج )
انتقل الحديث إلى حائل فقلت لهم ومن خلال جولتي في أحد أسواقها لم أشاهد المرأة التي تتعمد إثارة الفتنة في حائل كان حجابهن ولبسهن يعكس احترامهن لأنفسهن ، أيضا كنت انظر من الخارج إلى ملابس النساء المعروضة في واجهات المحلات وقد كانت تتحلى بالحشمة والوقار فلم تكن من الملابس القصيرة أو البنطلونات المثيرة التي تكتظ بها واجهات محلات المدن الكبيرة .أيضا لم أرَ من الشباب من يلبس الشورتات والزنانيب وجينزات طيحني .
في المقابل وجدت حائل وكأنها مدينة رجالية ، الرجال يجدون المتعة من خلال الرحلات وطلعات البر والصحراء والتجوال بينما المرأة الحائلية لا تجد الأماكن التي تقضي بها وقت ممتع .
كان لدي اعتقاد أن أبناء قبيلة شمر وحدهم من يسكن حائل ومرة قال لي أحد أبناء آل تميم أنهم والعنوز يشاركون الشمامرة في حائل ، وفي حائل عرفت أن المدينة خليط من هؤلاء وأيضا مايطلقون عليهم الحضر والصناع وكذلك الرشايدة .
خرجت من تلك الأمسية بانطباع عام بأن الحائليين يعشقون حائل والبر والصحراء ويحبون الليل والسهر والتجوال وميولهم الرياضية نصراوية ، وعرفت ولأول مرة أن تلك المدينة الزراعية تنتج ضمن ماتنتجه فاكهة البرتقال .
كانت أخلاق الحائليين فاضلة وأسلوبهم في التعامل انسيابي وأنفسهم واسعة كانوا يتحلّون بالبساطة ربما يعود ذلك إلى انعكاس البيئة المنبسطة على أخلاقهم هذا مالمسته من المشاركين والموظفين الذين تعاملت معهم في أكثر من جهة وخاصة موظفي المطار.
اختيارهم للأسماء أيضا اختيار سهل لا يعكس الشدة والحدة مثل صخر وحيدر رمّاح ورشّاش وسيف وخلافها من أسماء الوحوش والأسلحة ، أسماءهم جميلة وسهلة مثل "حمّاد" "فلاح" "عواد" "خلف" "عتيق " حتى الأماكن كانت تحمل أسماء جميلة مثل اسم "غزالة" "أجا" "سلمى" وهكذا بقية الأسماء .
اليوم الثالث والأخير
أخيرا تم ا لعثور على قلب حائل ..
لم يتبقَ من الدورة إلا جزء قليل ؛ في ذلك اليوم التدريبي كان تبادل الأدوار والنقاش وفتح المشاركات أكثر من اليومين السابقين ، كان الجزء الأخير محصلة لما سبق لذلك لم نستغرق فيه الوقت الكثير وفي اليوم الأخير أيضا استلم المشاركون شهادات الحضور واستلمتُ منهم التقييم الذي كان جزء منه يقيّم المدرب وبلمحة سريعة على ذلك الجزء رأيت الإشارة في خانة الامتياز بكثرة أمام محاور مثل أسلوب المدرب ومدى إعطاء المتدربين الفرصة للمشاركة ... ، لا أخفيكم أنها كانت تسعدني رغم أنني تظاهرت بعدم اهتمامي بها.
قبل انتهاء الوقت المحدد بساعتين كان كل شي منتهي ، لذا قدّمت لهم تلك الساعتين المتبقية هدية وودعتهم بعد أن قدّمت انطباع مختصر بعبارة أو اثنتين عن كل مشارك . اتجهت بعدها إلى الفندق وبعد أن نلت قسطا يسيرا من الراحة لملمت أغراضي واتجهت إلى المطار ، حاولت أتحلّل من جميع أغراضي وأُرحِّلها عن طريق العفش .
بقي على إقلاع الطائرة إلى جدة خمس ساعات كانت كفيلة بأن أرى فيها شيئا جديدا ومثيرا وسيبقى عالقا في الذاكرة ، اتصلت بالرفاق وقلت لهم أنا جاهز، وسألتهم هل نحن على وعدنا ؟ وأين سيكون اللقاء ؟ أجابوني بنعم وسيكون في طريق القصيم بجوار مطعم "التل" ذهبت متخلصا من كل شي عدا بطاقة صعود الطائرة الـ (Boarding ) ، وجهازي اللاب توب .
وبجوار المطعم ودّعت بحرارة السائق الذي رافقني طيلة الثلاثة أيام بعد أن قدّمت له الأجر المتفق عليه ، لم أرهقه كثيرا فقد قام الرفاق بنصف المهام المتفق معه عليها .
دقائق فقط تجوّلت خلالها في المطعم بقسميه العائلات والأفراد حتى وصل الرفاق وانطلقنا إلى شمال حائل وتحديدا إلى صحراء ( النفود ) .
وفي الطريق إلى الصحراء مررنا بجامعة حائل والكلية التقنية وبموقع مدينتها الاقتصادية وبسكة القطار المزمع إنشاءها وبالطريق الذي يشق الصحراء و يربط حائل بالجوف ومررنا أيضا بقصر أجا الذي يسكنه أمير حائل .
رأيت حائل تشهد حضارة وتطور عندما ذكرتُ ذلك للأصدقاء أجابوا منذ تسلم مفاتيحها سعود بن عبد المحسن وهي تشهد تطور مُطّرد .
في الصحراء كل شي ممكن يصير ابتداءً من الانتشاء والشعور بالسعادة ومرورا بالإرهاق والمعاناة وانتهاءً بالضياع والموت .
كنت أراقب ذلك الصديق صاحب السيارة وهو يقودها في الصحراء بطريقة لم أشاهدها من قبل كان يسرع فجأة ويتوقف فجأة ويغير اتجاهها فجأة كان يصعد فجأة ويهبط فجأة ، كل شي كان يعمله بطريقة مدهشة على تلك الكثبان الرملية إلا أن يمشي على مهل ! وفي مكان مرتفع من الصحراء وقبل أن يحل الغروب أوقفنا السيارة ونزلنا وكالعادة بدأ الرفاق في صنع القهوة أما أنا فرميت بحذائي ومشيت بل جريت على تلك الرمال الذهبية ، كانت رمال "النفود" من شدة نعومتها تذوب تحت قدمّي وكنتُ أتعمدُ أغرسها بها ، كنتُ أداعبُ الرمال بقدميّ و بيديّ أحياناً أجلسُ عليها وتارة استلقي على ظهري متلذذاً بتلك الرمال الناعمة .
وعندما حان وقت القهوة لاطفتهم قائلا ما أشد نعومة التربة التي خُلقتم منها ، ثم سألتهم هل تعشقون الصحراء ؟
أجابوني قائلين: هناك من أبناء حائل منهم من واصل تعليمه حتى وصل إلى أعلى درجة علمية ، ومنهم من يملك فيلا واسعة بالمدينة ؛ ومع ذلك فضّل أن يكون له خيمة ويحفر بجوارها بئر ويمتلك عددا من النوق والماعز ويعيش بسعادة في الصحراء ، ولو كان الوقت يسمح لتعمّقنا في الصحراء لترى بعينك كيف أن هؤلاء الأعراب يشعلون النار ويضعون عليها الدِّلال ويجلسون في خيامهم منتظرين مرور ضيف ! عندها أيقنت أن هذه الصحراء هي قلب حائل .
في طريق العودة والخروج من الصحراء كان صاحبنا يقود بنفس طريقته عند الوصول ، كان يتخيّر الرمل الأقل نعومة ، وكان كثير الصمت وشديد التركيز ، وكان يعتمد على حدسه رغم أن سيارته مزودة بالتقنية اللازمة فيما لو احتاج إليها ..
ورغم أن الليل ألقى بظلامه ؛ ولا يوجد علامة أو إشارة أو اثر يدلنا على طريق العودة فلا نرى إلا الصحراء التي تحيط بنا من جميع الجهات ، إلا أن حدسه أرشده إلى الطريق الصحيح طريق الخروج من الصحراء ، عندها تذكرت على الفور سحر الإشارات التي تبعثها الصحراء ولغتها وتناغمها مع قادة القوافل كما عبّر عنها "باولو كويلو" أو بالأحرى كنت أرى ماذكرته روايته "الخيميائي" عندما تطرّقت للصحراء وارتباطها بالرياح والصمت أو كما شبهها عندما قال (الصحراء امرأة نزقة تجعل الرجال أحيانا مجانين) .
في طريق الذهاب إلى المطار كنّا نحتاج إلى إعادة ملء الإطارات بالهواء الذي أفرغنا جزء منه كلزوم للسيّر في الصحراء ، ولكن كنّا نخشى الوقت يدركنا قبل أن نلحق بالطائرة ، أثناء هذا صادفنا في الطريق الصحراوي سيّارة متعطلة نظر إليّ الصديق قائد السيارة سألني لو بالإمكان محاولة إسعافهم وافقت دون تردد فقد كانت رغبة لدي أنا أيضا ، عندها اكتشفتُ ميزة أخرى في الحائلين ألا وهي الرغبة في تقديم المساعدة لمن يحتاجها حتى ولو كانوا لا يملكون الوقت ولا يعرفون صاحب الحاجة ، في خلال عشر دقائق ربما تزيد قليلا تم إسعافهم ثم واصلنا طريقنا إلى المطار دون توقف ودون ملء الإطارات ، ودّعتهم بحرارة واتجهتُ إلى صالة المغادرة ثم إلى الطائرة التي أقلتني إلى جدة .
كان الأجر الذي تقاضيته عن أداء هذه الدورة مناسبا كما تم تزويدي بتذكرة سفر درجة أولى وتم تهيأة سكن مناسب وتكليف سائق يرافقني طيلة مكوثي في حائل ، الحقيقة أنها كانت حوافز مغرية ولكنها لم تعادل فرحتي بمعرفة حائل والرفاق الذي قضيت وقتي معهم ولم تعادل فرحتي برسائلهم الإلكترونية التي وثقت الرحلة بالصور وقبل ذلك اتصالاتهم للاطمئنان ومنهم السائق المرافق .
في صبيحة اليوم التالي عدتُّ إلى عملي فسألني أحد الزملاء : كيف وجدت حائل؟
أجبت : { حَائل مَدينةٌ هَادئةٌ ، هَواءُهَا نَقيّ ، رُوحُها البّر ، وقلبُها الصحرَاء ، مُناسبةٌ لِقضاءِ شَيخوخةٍ مُستقرةٍ ؛ عَلى أنْ يَكون لَديكَ أصْدِقاء لمْ تلوِّثْهم المدنيةُ ، وتَمْتلك فيلاّ وفي أحدِ أركانِها خيمةٌ ، وأنْ تُرافِقك فِيها امرأةٌ بها أصالةُ الباديةِ وأناقةُ الحضارةِ تجيدُ سرد الحكاياتِ وتقاسِمُك ارْتِشافَ القهوةِ }
لم يتبقَ من الدورة إلا جزء قليل ؛ في ذلك اليوم التدريبي كان تبادل الأدوار والنقاش وفتح المشاركات أكثر من اليومين السابقين ، كان الجزء الأخير محصلة لما سبق لذلك لم نستغرق فيه الوقت الكثير وفي اليوم الأخير أيضا استلم المشاركون شهادات الحضور واستلمتُ منهم التقييم الذي كان جزء منه يقيّم المدرب وبلمحة سريعة على ذلك الجزء رأيت الإشارة في خانة الامتياز بكثرة أمام محاور مثل أسلوب المدرب ومدى إعطاء المتدربين الفرصة للمشاركة ... ، لا أخفيكم أنها كانت تسعدني رغم أنني تظاهرت بعدم اهتمامي بها.
قبل انتهاء الوقت المحدد بساعتين كان كل شي منتهي ، لذا قدّمت لهم تلك الساعتين المتبقية هدية وودعتهم بعد أن قدّمت انطباع مختصر بعبارة أو اثنتين عن كل مشارك . اتجهت بعدها إلى الفندق وبعد أن نلت قسطا يسيرا من الراحة لملمت أغراضي واتجهت إلى المطار ، حاولت أتحلّل من جميع أغراضي وأُرحِّلها عن طريق العفش .
بقي على إقلاع الطائرة إلى جدة خمس ساعات كانت كفيلة بأن أرى فيها شيئا جديدا ومثيرا وسيبقى عالقا في الذاكرة ، اتصلت بالرفاق وقلت لهم أنا جاهز، وسألتهم هل نحن على وعدنا ؟ وأين سيكون اللقاء ؟ أجابوني بنعم وسيكون في طريق القصيم بجوار مطعم "التل" ذهبت متخلصا من كل شي عدا بطاقة صعود الطائرة الـ (Boarding ) ، وجهازي اللاب توب .
وبجوار المطعم ودّعت بحرارة السائق الذي رافقني طيلة الثلاثة أيام بعد أن قدّمت له الأجر المتفق عليه ، لم أرهقه كثيرا فقد قام الرفاق بنصف المهام المتفق معه عليها .
دقائق فقط تجوّلت خلالها في المطعم بقسميه العائلات والأفراد حتى وصل الرفاق وانطلقنا إلى شمال حائل وتحديدا إلى صحراء ( النفود ) .
وفي الطريق إلى الصحراء مررنا بجامعة حائل والكلية التقنية وبموقع مدينتها الاقتصادية وبسكة القطار المزمع إنشاءها وبالطريق الذي يشق الصحراء و يربط حائل بالجوف ومررنا أيضا بقصر أجا الذي يسكنه أمير حائل .
رأيت حائل تشهد حضارة وتطور عندما ذكرتُ ذلك للأصدقاء أجابوا منذ تسلم مفاتيحها سعود بن عبد المحسن وهي تشهد تطور مُطّرد .
في الصحراء كل شي ممكن يصير ابتداءً من الانتشاء والشعور بالسعادة ومرورا بالإرهاق والمعاناة وانتهاءً بالضياع والموت .
كنت أراقب ذلك الصديق صاحب السيارة وهو يقودها في الصحراء بطريقة لم أشاهدها من قبل كان يسرع فجأة ويتوقف فجأة ويغير اتجاهها فجأة كان يصعد فجأة ويهبط فجأة ، كل شي كان يعمله بطريقة مدهشة على تلك الكثبان الرملية إلا أن يمشي على مهل ! وفي مكان مرتفع من الصحراء وقبل أن يحل الغروب أوقفنا السيارة ونزلنا وكالعادة بدأ الرفاق في صنع القهوة أما أنا فرميت بحذائي ومشيت بل جريت على تلك الرمال الذهبية ، كانت رمال "النفود" من شدة نعومتها تذوب تحت قدمّي وكنتُ أتعمدُ أغرسها بها ، كنتُ أداعبُ الرمال بقدميّ و بيديّ أحياناً أجلسُ عليها وتارة استلقي على ظهري متلذذاً بتلك الرمال الناعمة .
وعندما حان وقت القهوة لاطفتهم قائلا ما أشد نعومة التربة التي خُلقتم منها ، ثم سألتهم هل تعشقون الصحراء ؟
أجابوني قائلين: هناك من أبناء حائل منهم من واصل تعليمه حتى وصل إلى أعلى درجة علمية ، ومنهم من يملك فيلا واسعة بالمدينة ؛ ومع ذلك فضّل أن يكون له خيمة ويحفر بجوارها بئر ويمتلك عددا من النوق والماعز ويعيش بسعادة في الصحراء ، ولو كان الوقت يسمح لتعمّقنا في الصحراء لترى بعينك كيف أن هؤلاء الأعراب يشعلون النار ويضعون عليها الدِّلال ويجلسون في خيامهم منتظرين مرور ضيف ! عندها أيقنت أن هذه الصحراء هي قلب حائل .
في طريق العودة والخروج من الصحراء كان صاحبنا يقود بنفس طريقته عند الوصول ، كان يتخيّر الرمل الأقل نعومة ، وكان كثير الصمت وشديد التركيز ، وكان يعتمد على حدسه رغم أن سيارته مزودة بالتقنية اللازمة فيما لو احتاج إليها ..
ورغم أن الليل ألقى بظلامه ؛ ولا يوجد علامة أو إشارة أو اثر يدلنا على طريق العودة فلا نرى إلا الصحراء التي تحيط بنا من جميع الجهات ، إلا أن حدسه أرشده إلى الطريق الصحيح طريق الخروج من الصحراء ، عندها تذكرت على الفور سحر الإشارات التي تبعثها الصحراء ولغتها وتناغمها مع قادة القوافل كما عبّر عنها "باولو كويلو" أو بالأحرى كنت أرى ماذكرته روايته "الخيميائي" عندما تطرّقت للصحراء وارتباطها بالرياح والصمت أو كما شبهها عندما قال (الصحراء امرأة نزقة تجعل الرجال أحيانا مجانين) .
في طريق الذهاب إلى المطار كنّا نحتاج إلى إعادة ملء الإطارات بالهواء الذي أفرغنا جزء منه كلزوم للسيّر في الصحراء ، ولكن كنّا نخشى الوقت يدركنا قبل أن نلحق بالطائرة ، أثناء هذا صادفنا في الطريق الصحراوي سيّارة متعطلة نظر إليّ الصديق قائد السيارة سألني لو بالإمكان محاولة إسعافهم وافقت دون تردد فقد كانت رغبة لدي أنا أيضا ، عندها اكتشفتُ ميزة أخرى في الحائلين ألا وهي الرغبة في تقديم المساعدة لمن يحتاجها حتى ولو كانوا لا يملكون الوقت ولا يعرفون صاحب الحاجة ، في خلال عشر دقائق ربما تزيد قليلا تم إسعافهم ثم واصلنا طريقنا إلى المطار دون توقف ودون ملء الإطارات ، ودّعتهم بحرارة واتجهتُ إلى صالة المغادرة ثم إلى الطائرة التي أقلتني إلى جدة .
كان الأجر الذي تقاضيته عن أداء هذه الدورة مناسبا كما تم تزويدي بتذكرة سفر درجة أولى وتم تهيأة سكن مناسب وتكليف سائق يرافقني طيلة مكوثي في حائل ، الحقيقة أنها كانت حوافز مغرية ولكنها لم تعادل فرحتي بمعرفة حائل والرفاق الذي قضيت وقتي معهم ولم تعادل فرحتي برسائلهم الإلكترونية التي وثقت الرحلة بالصور وقبل ذلك اتصالاتهم للاطمئنان ومنهم السائق المرافق .
في صبيحة اليوم التالي عدتُّ إلى عملي فسألني أحد الزملاء : كيف وجدت حائل؟
أجبت : { حَائل مَدينةٌ هَادئةٌ ، هَواءُهَا نَقيّ ، رُوحُها البّر ، وقلبُها الصحرَاء ، مُناسبةٌ لِقضاءِ شَيخوخةٍ مُستقرةٍ ؛ عَلى أنْ يَكون لَديكَ أصْدِقاء لمْ تلوِّثْهم المدنيةُ ، وتَمْتلك فيلاّ وفي أحدِ أركانِها خيمةٌ ، وأنْ تُرافِقك فِيها امرأةٌ بها أصالةُ الباديةِ وأناقةُ الحضارةِ تجيدُ سرد الحكاياتِ وتقاسِمُك ارْتِشافَ القهوةِ }
هناك تعليق واحد:
لم اعرف عن حائل الا اسمها وبعد ان قرات ما كتبت عنها تشوقت لها كثيرا
اجدت الوصف ففي كل كلمة التلمس جمالا اخاذا وعراقة واصالة
وحبا لمناطق مملكتي
وادركت كذلك ضرورة وجود المرشد السياحي
زياردة موفقة
ولكني كنت على فضول لاعرف الدورة التي القيتها وفي اي مجال
تقبل تحيتي
أنور
إرسال تعليق